• المدير العام ( المفوض ) .. عماد شاهين
  • يمكنك الاعتماد على وكالة العراب الاخبارية في مسألتي الحقيقة والشفافية
  • رئيس التحرير المسؤول .. فايز الأجراشي
  • نتقبل شكواكم و ملاحظاتكم على واتس أب و تلفون 0799545577

الحروب القادمة: من الآبار إلى المناجم

صفحة للطباعة
تاريخ النشر : 2026-01-08
488
الحروب القادمة: من الآبار إلى المناجم

 مالك العثامنة

لقرن كامل تقريبا كانت العلاقات الدولية تدور حول الطاقة التقليدية، وحول من يمتلك الحقول والآبار والممرات البحرية التي تنقل البترول، هذه القاعدة التي بدت راسخة بدأت تتآكل، ويحل مكانها سباق جديد عنوانه المعادن النادرة والتقنيات المتقدمة وسلاسل التزويد العالمية.

ما فعلته واشنطن في فنزويلا يكشف حجم هذا التحول وعمق الشرخ الكامن فيه، فالتدخل الأميركي هناك بدا مرعبا في شكله ومضمونه، لأنه أظهر استعداد قوة عظمى لاستخدام أدوات الخشونة السياسية المباشرة لإزاحة نظام قائم، ونقل مركز القرار من عاصمة إلى أخرى، وقد يختلف الناس في توصيف ما جرى، لكنه يكشف حقيقة أساسية أن منظومة العلاقات الدولية لم تعد محكومة بتوازنات الأمس، وأن القواعد التي نظمت العالم طوال عقود تحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب وصياغة من جديد، حتى لا يقع العالم في فوضى مفتوحة.

فنزويلا نفسها تقدم مثالا واضحا على نهاية عصر الاعتماد المطلق على النفط، كونها بلد يملك احتياطات هائلة من الخام وقد عاش سنوات طويلة على خطاب اشتراكي شعبوي صدامي مع الغرب، فانتهى إلى اقتصاد مشلول وعزلة سياسية، حيث أن النفط لم يحمِ النظام ولم يصنع الاستقرار، ولأن العصر الجديد تجاوز فكرة أن البرميل هو مركز الكون، ما بات يحكم القوة الحقيقية هو القدرة على إدارة الثروة وتحويلها إلى صناعة تكنولوجية حديثة، وليس مجرد امتلاك موارد مدفونة في الأرض.

ومن شمال العالم تأتي قصة جرينلاند لتضع النقطة فوق الحرف، الجزيرة التي كانت تبدو يوما بعيدة عن صخب الخرائط الساخنة تتحول الآن إلى هدف إستراتيجي مغر للدول الكبرى، موقعها الجغرافي الفريد يتزامن مع ما تحتويه أرضها من عناصر ثمينة تدخل في الصناعات الرقمية والطاقة النظيفة، هذه المعادن هي نفط القرن الحادي والعشرين، ومن يسيطر عليها ويملك القدرة على استخراجها ومعالجتها يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي القادم.

الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس وعناصر الأرض النادرة ليست مجرد تفاصيل علمية جافة، بل أعصاب حيوية لكل ما ينتجه العصر من هواتف وحواسيب وبطاريات ذكية وسيارات كهربائية وتوربينات ريحية، وبدون هذه العناصر لا يمكن للصناعات المتقدمة أن تستمر، لهذا بدأت المنافسة الدولية تأخذ شكل حرب باردة على الموارد التقنية، حيث تتداخل فيها الشركات مع الحكومات، وتتحول فيها الاتفاقيات التجارية إلى أدوات نفوذ تضاهي في أهميتها الجيوش.

وهذا التحول يكشف أيضا المواجهة الأخيرة مع الأيديولوجيات التقليدية التي انتهت صلاحيتها، وهي أنظمة ما زالت تعيش على شعارات قديمة تجد نفسها عاجزة أمام عالم لا يعترف إلا بالكفاءة، فالعالم الجديد لا يسأل عن لون الراية المرفوعة في الميادين، بل عن القدرة على الابتكار وسلامة الإمداد واستدامة التقنية، غير أن الخطر الحقيقي أن هذا السباق غير المنظم قد يقود إلى فراغ دولي واسع إذا لم تُصغ قواعد جديدة تضبطه، حتى لا تتصرف كل قوة بمنطق الغلبة فقط.

من فنزويلا إلى جرينلاند تمتد الخلاصة نفسها، عصر النفط يطوي صفحته الأخيرة، وتبدأ حروب المستقبل من بوابة السيطرة على المعادن النادرة وسلاسل التزويد، والمطلوب اليوم إعادة صياغة منظومة العلاقات الدولية حتى تبقى محكومة بالقانون لا بالفوضى، لأن ما جرى في فنزويلا مرعب لكنه يعكس شرخا واضحا في عالم يتغير بسرعة، عالم يحتاج إلى قواعد جديدة حتى لا يقع في الفوضى.

'الغد'
أضافة تعليق


capcha
كافة الحقول مطلوبة , يتم مراجعة كافة التعليقات قبل نشرها . :
العراب نيوز صحيفة الكترونية جامعة - أقرأ على مسؤوليتك : المقالات و الأراء المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها و لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر العراب نيوز.